Get Adobe Flash player
أخبار وتقارير | ثقافة | آراء ومقالات | وثائق | روابط |
| اتصل بنا | من نحن |


الرئيسية > نافذة ثقافية > Print, Email and Share

لأن الحياة هي الحبكة الكبرى..

ليانة بدر

في المرة الأخيرة التي قابلت فيها المبدع الكبير إبراهيم أصلان في معرض الشارقة الأخير للكتاب تهيأ لي أنه صار أكثر نحولاً، وكأنه سوف يشف ويضيء ما خلفه أو أمامه. أحسست أن شيئاً داخله قد رهف إلى الدرجة التي تجعل من وجوده الكريم بيننا أشبه بأن يجعل منه أخاً كبيراً في العائلة. وفي تلك المرة الأخيرة، وعندما كان أصلان يعرب عن قلقه الفادح على مستقبل مصر وما يجري على ثورتها  من تشويه من قبل البلطجية، كنت أداري فكرة لاشعورية بالخوف على الوضع الصحي لصاحب "بحيرة المساء" رغم أنه كان يبدو عفياً ورائقاً.

كانت نقطة البدء يومها سؤالي له عن الرحيل المباغت لصديقه الروائي خيري شلبي، وعن قراءتي لحديث مؤثر أجراه أصلان حول رحيل صديقه شلبي الذي كان خائفاً من اختطاف الثورة المصرية لتحويلها إلى وجهة طائفية مقيتة.

قال أصلان:

هو ما زال يوحشني كثيراً. أفتقده كل يوم.

وهكذا علمت أنه يتكلم عن صديقه بلهجة الشوق الكثيف وكأنه ما زال حياً يخاطبه أمامه.

خشيت، من دون سبب مفهوم، من وحشته الكبيرة إلى صديقه الراحل، وأردت أن أشعره بدوري أنني أعتبره أخاً عزيزاً، وهو المحب المؤيد للفلسطينيين دوماً، فأخبرته بأنني لن أصل إلى القاهرة في المرة المقبلة دون أزوره وأتعرف إلى عائلته. وكما حدث في معرض الكتاب في "تورينو" قبلها بعامين حين كنت مدعوة إلى محاضرة، وقابلت أيامها الكتاب المصريين الأصدقاء أثناء وجودهم هناك للاحتفال بالثقافة المصرية، وكما حدث قبلها بعام عندما التقينا في القاهرة على هامش مؤتمر الرواية العربية، أخرج هاتفه الخلوي بسعادة ظاهرة، وجعلني أرى صور حفيده الصغير.

اعتذرت له من جديد لأنني لم أفِ بما طلبه مني قبل عامين في معرض "تورينو" عندما طلب مني مختارات من قصصي لسلسلة "آفاق عربية" الصادرة عن قصور الثقافة. أخبرته بأن حيرة أصابتني في اختيار القصص، ما أفضى بي إلى تأجيل المشروع كله. قلت له: سأرسلها إليك. وبمنتهى التواضع قال: وأنا سأرسلها بدوري إلى الشباب.

تهيأ لي دائماً أن الجزء الأثمن من حياة أصلان كان يقع في علاقاته الانسانية التي كانت من العمق والبساطة بحيث استجلبت نبضه الانساني كاملاً إلى نصوصه.

تماماً، في كل مرة قابلته فيها كان يتخلق لديّ انطباع مختلف. ففيما مضى كان يتواجد في المناسبات الثقافية محاطاً بهالة من الوحدة التي يصعب على كثيرين اختراقها. لذا، كان رحيل هذا الكاتب المبدع مختلفاً كما حدث مع صديق عمره الروائي خيري الشلبي قبلها، كأن الحياة التي كانت تموج وتتوهج بداخلهما كانت تعلنُ نفسَها بحيث لم يتصور أحد أن الرحيل كان سريعاً إلى هذا الحد.

 تعقد كتابات الراحل أُلفةً غير مسبوقة مع القارئ. فهو الذي عمل على بث الروح في تفاصيل صغيرة بدقة غير اعتيادية. لهذا، تأخذ كتاباته بيد القارئ إلى عالم مختلف النكهة والتأثير، إذ إنه كان مثل من يكشف عن سحر الحياة اليومية الذي لم يحدق فيه أحد قبله.  

عمل أصلان على تغيير الكتابة النثرية بشكل ثوري، وجعل من التفاصيل الصغيرة بطلاً رئيسياً للعمل بعيداً عن الحبكات الكبرى، لأنه كان يريد أن يجعل القارئ يحس  بأن الحياة هي الحبكة الكبرى.

وكثيراً ما أحسست بأن تأثيره على القصة الحديثة يشبه  تأثير "آلان روب غرييه" ذلك الذي دُرس وُكرِّسَ، فيما صاحبنا قام بعمل لا يقل أهمية في تغيير توجيه النص في القصة العربية إلى بحيرة الحياة منذ مجموعته القصصية الأولى "بحيرة المساء"، وأنجز هذا بنكهة مصرية خالصة، ما أهلّه لأن يحرز قصب السبق على المستويين.

وما أظنه هو أن تأثير كتابات أصلان لم يُدرس كفايةً حتى الآن، ولم يكن هو مهتماً بهذا بدوره، لأنه كان يرجع إلى الحياة كحبكة كبرى.

في ندوتنا الأخيرة التي شاركته فيها قبل أشهر في معرض كتاب الشارقة،  تكلم أصلان ببعض التفصيل عن خيارات كتاباته، وأعرب الحضور من زملائه الكُتّاب عن بهجتهم لأنه استفاض في الكلام عن أعماله، هو العظيم  الذي يقتصر تعبيره في الغالب على الصمت وعدم التعليق فيما يخص كتاباته، في الحين الذي تملأ فيه ضجيج الطبول أسماعنا عندما يتعلق الأمر بكُتّاب عديمي الموهبة.

لم يستنفد أصلان ذخيرة قلبه الكبير إلا بعدما شارك في الثورة المصرية، وعندما خشي على إنجازاتها من الضياع بيد  ضباع الأمس ومشعلي حرائق الفتن الطائفية والوطنية.

أيها الأخ الكبير، سلام عليك.

 






اشترك في قائمتنا البريدية
بريدك الالكتروني:
  اشتراك
  الغاء الاشتراك



© جميع الحقوق محفوظة، مركز الاعلام الفلسطيني 2013