Get Adobe Flash player
أخبار وتقارير | ثقافة | آراء ومقالات | وثائق | روابط |
| اتصل بنا | من نحن |


الرئيسية > نافذة ثقافية > Print, Email and Share

طالاسو

نافلة ذهب*

ذكر له الطبيب مع منحه الوصفة الطويلة والعريضة إمكانية تعاطيه للسباحة في مياه البحر الدافئة. اضطرب قليلاً قبل أن يجيبه. كان يفضّل اعتلاء البحر سابحاً عبر مياهه مثل شاب في  تمام  قوته البدنية يحبّ مصارعة الأمواج. أما السباحة وسط مسبح وفي مياه بحرية دافئة، فذلك لا يعجبه البتّة، بل أكثر من ذلك، هو كل ما يكره.

صمت، ولم يشعر الطبيب بحرجه.

عند عودته إلى البيت، سأل زوجته إن كانت تودّ مصاحبته إلى النّزل حيث سيمارس الطالاسو. اعتذرت لإصابتها بداء الرّوماتزم الذي يؤلم مفاصلها.

تفاقمت حيرته وشعوره بالضّياع. لم يتعوّد هذا النّوع من المواجهة: أن يواجه ما يكره.

قصد المكتب يريد البحث عبر الإنترنت عن فوائد السّباحة في مياه البحر الدّافئة. طالع أشياء كثيرة، وتأكّد من صحّة الاتّجاه الذي سار فيه الطّبيب الشّاب.

قبل الذّهاب في الغد لم ينس التّعريج على "المغازة" لشراء مايوه جديد حتّى يكون في مظهر يليق  بالمكان الذي يقصد.

وهو يدخل إلى المكان المخصّص شعر بالراحة: فتيات يرتدين الأبيض ينزلقن عبر الأروقة بأحذية بلاستيكية بيضاء بين  أصص الورد والرّيحان، رائحة شذيّة تغمر هذا السكون الأنثوي وتقحمه في شبه حمّام روماني. أنوار خافتة تتسلّق الجدران الرّخامية وتبرز نعومة الأرائك والوسائد الصّغيرة الملوّنة وموسيقى عذبة تبعث في الرّواق المؤدّي إلى حوض السّباحة نفحة من الطّمأنينة والهيام.

بدأ مقته لأحواض السباحة يتقهقر. وأحسّ بأنّ للطبيب رأياً مستحبّاً.

ناولته فتاة الاستقبال لوازم الحمّام: قميص أبيض من القطن وحذاء مع غطاء للرأس من البلاستيك الأبيض. استبدل ملابسه في الغرفة المخصّصة وقصد المسبح. صوت خرير الماء يشيع غمامات من  الرّاحة والخمول، فيما أشاعت فيه الحرارة التي تغلّف الجو حسّ اكتشاف طقوس جديدة. أخذ دشّاً وسار على حافة المسبح حتى أدرك السلّم. حينها انزلق في الحوض الدّافئ وغطس فرحاً لملاقاة الماء  مثل طفل صغير. كان الوقت صباحاً، ولم يكن المسبح  مكتظّاً. ارتخاء محبّب يغلّف جسده وهو ينساب تحت الماء الدّافئ وكأنّه يتوسّد القطن.

في تلك اللّحظة انتبه إلى حركة حذوه. تذكّر أنه ترك نظّاراته في حجرة الملابس. بدا له الجسد السابح بجانبه بضّاً، أقحوانة تحرّك بتلاتها نسائم بحرية. هكذا خيّل إليه.

شكر الطبيب في داخله من كلّ قلبه.

 كانت فتاة ثلاثينية. نطق حدسه المعزّز بخبرة  طويلة. أحسّ بترهّل جسده السبعيني فجأة، وهبّت إلى ذاكرته تلك القائمات الطويلة من الأدوية التي يتناولها يومياً. وفي حركة لاشعورية تنفّس بعمق ليضمر بطنه الذي كان بارزاً شيئاً ما. تلك كؤوس الجعة التي تستميله كلما علتها الرّغوة. هكذا حدّث نفسه.

 في تلك الآونة تفهّم اعتذار زوجته. تصرّفها كان صائباً حقاً. هكذا فكّر.

أما الآن، فهو يريد تأمّل ذلك الجسد الذي شعر به يملأ المسبح. جسد في لون الورد عندما يغمره طلّ الصباح. يتثنّى وسط الماء في شبه عناق أزلي لا ينتهي، بل يتكرّر في انسجام حركات توحي بالنّعومة والحماسة في آن. ليست سائحة حزّر، لا، هي بنت بلاد ساحرة كانت تتمتّع بأنوثة رائعة وجذّابة. هكذا فكّر.

أراد التّأكّد ممّا فكّر فيه فانزلق تحت شلاّل ينصبّ في شكل دائرة تسربل خيوط الماء المنبثقة منها، السّابح تحتها فتغمره. استمتع بزخّات الماء فوق  جسده، بدت كأنّها أيادٍ ناعمة تداعبه أو مطر دافئ يرشّه، فيما اتّسعت عيناه تتابع الجسد البض ّينبسط في ثنايا الماء في انسجام كلّي يكشف عن جمال أخّاذ.

كانت الفتاة مغمضة العينين رموشها المنسابة فوق أعلى الوجنتين تلمع قطرة، قطرة . أحسّ بشيء  داخله يتحمس نحوها يطلب قربها وضمّها إليه. كانت تفرد ذراعيها الجميلتين، ثم تضمّهما في حركة أنيقة لتنساب مثل فراشة. تعيد الكرّة، تمشط خصلات الماء في تداول منتظم ترافقه شقشقة رقيقة متناغمة. لحظات ... تأملّها وشعاع شمس خريفية يداعب ذراعها اليمنى ثم اليسرى في لعبة ظلال آسرة، ترسم مفاتنها وتعمّق إحساسه بثقل السّنين التي مضت عن تلك الحادثة. ابتسم إليها يحيّيها   فردّت التحية بابتسامة مشرقة. سيحاول مرّة أخرى لو صادفها، أكيد أنّه سيصادفها.. سيحاول دعوتها لشرب عصير فواكه ويسمع صوتها. حمله فكره بعيداً... تراءت له نفسه ذات يوم وهو في العشرين من عمره: كان يتهيأ للعودة إلى البيت عندما سمع لغطاً وراءه: سائحة  ترتدي مايوهاً أحمر تصيح من الألم وقد لدغتها حرّيقة. هبّ نحوها فترفّقت ذراعه وانجذب هو إلى جسدها وهي تترنّح بسبب الألم. رافقها بلطف وتؤدة إلى النّزل.  سلّمته ورقة بها اسمها ورقم غرفتها وتبعت ممرضة النّزل. أراد البقاء هناك ليطمئنّ عليها، فنهره الحارس موبّخاً إيّاه ناعتاً تصرّفه بالمتهوّر لأنّه يؤثّر سلبياً في الصوّرة التي يحملها السّائح  عن بلادنا.

عدل عن ذلك التصرّف مغادراً النّزل بسرعة، ولم يعط صورة سيّئة عن بلاده، فيما بقيت صورة تلك الفتاة عالقة بذهنه لمدّة طويلة.

ها هي تستثيره اليوم.

مكث في مخبئه المائي بضع لحظات يستمتع بالنّظر إلى الجسد السّابح: يتحسّس بالنظر مكامن  انبساطاته ونتوءاته يتنشّق رائحته النّدية وكأنّه في لقاء حميمي معها، يبادلها أشواقه وعشقه الوليد، ويبني قصوراً في إسبانيا. وإذا به يعود إلى شبابه بصفة كليّة، فيدلك جسده المترهّل وقد نسي للحظات داء مفاصل زوجته، وواجباته الزّوجية وعدم استجابة جسمه أحياناً إلى الأعمال التي يريد القيام بها حيث افتقد التحكّم في بعض قدراته الجسمانية والفكرية.

 ها هو يرى الآن أن المقام ليس مناسباً رغم أنّه من بين المقيمين بصفة مؤقّتة في النّزل، فكّر كذلك أن الفارق في السنّ غير مناسب، ولم يبق له سوى الحلم يدفع به  هذا اليأس الذي يتملّكه الآن.

ترك مخبأه المائي فبهره النّور المنصبّ على المسبح، شعور بالفقدان يتأبّطه... لا بدّ أنّها غادرت.

في تلك الليلة وهو على شاطئ مرسيليا تأبّطه شعور بالفقدان بسبب غياب آخر، فضاعت دموعه   وسط رذاذ ماي، وزبد البحر الحليبي يلعق حواف الصّخرة الحاملة لمنحوتة ''السفينة الثّملة'' لرامبو  وقمر خجول  يتسلّل بنوره بين غيمتين  يكشف مقاطع من القصيدة المحفورة في الصخر. هنا  في مرسيليا مات الشاعر  مغموراً بعد أن عالجوه  في أحد مستشفياتها  وكأنه قضّى حياته  في منأى عن  الكتابة ومعاناتها. انتشله من حزنه المفاجئ صخب أصدقائه فابتسم نحوهم والرّذاذ يتعثّر فوق حاجبيه وأرنبة أنفه.  

لماذا تذكّر كل هذا الآن؟

لقد غادرت الفتاة الآن.

بقي وحيداً في المسبح ينصت إلى وشوشة الماء وصحوة الذكريات. رمق الحارس يسرح ببصره   نحو الحديقة عبر بلور النّافذة.  صورتها بقيت عالقة بأهدابه فارتسم وجهها على ظهر الحارس.

قصد السلّم. انتبه إليه الحارس وانحنى نحوه يساعده على ارتقاء الدّرج والماء يتموّج قليلاً حوله.

ارتدى قميصه وقصد الحمّام. في طريقه لمح صورة  فوتوغرافية  للفتاة  تتكئ على منضدة صغيرة في الرّواق. اضطرب. دقّق النظر.  صورة الفتاة ذاتها، كانت تسبح حذوه ثم تبخّرت. هل كانت تسبح حقاً حذوه أم هي مجرّد تهويمات حملها خياله المضطرب؟ انتبه إلى  الحارس في آخر الرّواق يرمقه في استغراب أو هكذا خيّل إليه.  أسرع الخطو نحو الحمّام. كان يترنّح في مشيته وقد سبح طويلاً. بدا كأنّه ثمل أو  مثل رجل حيّره الأرق.

 

خرج من الحمّام واتّجه إلى الخزينة. قابلته صورة الفتاة وراء  شبّاك القابض. سأل المحاسبة متلعثماً وهو يناولها الشيك، مشيراً إلى الإطار: من تكون؟

 أجابته الموظّفة في همس: حياة... الله يرحمها ابنة سي المنذر مدير النّزل، توفيت منذ سنة تقريباً.. وزفرت.

 معذرةً، قال، وصمت فيما انتابه إحساس بالفقدان جارف.

شعر كأنّه يمشي على الماء و في رأسه مسارات لا تلتقي وصور مبعثرة.

رجلاه لا تحملانه. أومأ بالتحية إلى الحارس وهو يغادر.

توفّيت حياة. كيف؟ حياة ميّتة؟

اندسّ في سيارته على مهل وشغّل محرّكها كالتّائه...

يفكّر الآن في العودة إلى بيته قبل موعد الغداء، سيذهب لشراء الخبز من الفرن وقناني الماء المعدني والجريدة اليومية من دكّان نور الدين، سيجهد نفسه في التّحدث إلى زوجته عن فوائد الطّالاسو الآسرة  ثم يطوي صفحةً محا الماء أشهى حروفها.

                                                                              

* كاتبة تونسية

 






اشترك في قائمتنا البريدية
بريدك الالكتروني:
  اشتراك
  الغاء الاشتراك



© جميع الحقوق محفوظة، مركز الاعلام الفلسطيني 2013