Get Adobe Flash player
أخبار وتقارير | ثقافة | آراء ومقالات | وثائق | روابط |
| اتصل بنا | من نحن |


الرئيسية > نافذة ثقافية > Print, Email and Share

القصيدة الفائزة بجائزة نازك
الملائكة للإبداع النسائي 2011

مرثية لقارئ بغداد

 

شعر زينب الأعوج / الجزائر

 

 

يا حادي النجْم الضّائع

ويا حادي الكلام المخْبوء المُجلّل بالغياب المتلِّبس بالحنين

انهضْ من رمْلك منْ جبَروت العزْلة

واكْشفْ منْ فضَح سرّك أيّها الواقف عنْد عتبَات الشّوْق

تخبّئ ارْتعاشات الأنْبياء الرّاحلين إلى هزائم لمْ يُعْلنْ عنْها بعْدُ

***

يا حادي النّور المُعتّق مؤونة للسّنين العجَاف

زيْتاً وملْحاً وزعْتـراً وزيْتوناً وصُباّراً وأرْزاً وتيناً وماءً زلالاً

وما تَيسّر من الرّزْق الحلال

في الزمَن الحرَام

أيّها الرّاحل الضّائع الضّاربُ في القسْوة القَاسي في الضّياع،

فصّص جمَرات الرّوح وما تبقّى منْ زهْر القلب

ابْحثْ في علامات النّار عمّا تبقّى منْ غصّة الكبد وصرْخة النّكد

شرّعْ قلْبك للحكاية وشطَط الرّوح

إنّي أراك!

 إذْ لا أحَد يراك!

خُطاك تنْكسرُ على عتَبات الظّل

تُفتّش عمّا تبقّى منْ رماد رَحيلك الأوّل

عنْ همْس الصّراخ عنْ ضجيج التّصدّع عنْ شهْوة الصّمْت الذي مَات

عنْ تشظّي الغُصّة عنْ صراخ الحمَام عن يُتم الغمَام

عن كلّ ما فات عنْ رفرَفة الطّيـْر وعطـش الغيْم

عنْ غُرْبة البحْر

خـذْ نفساً ولا تلتَفتْ نحْوهم فلنْ يسْتمع لموْتك أحدْ!

ليْسوا ضيُوفك وهمْ يتسرّبون منْ ثقُوب البَاب

ليسوا أحبابَك وذويكَ.. لنْ يكتفوا بنَار القـرى بعْـدما سـكَنـوا البـيْـت

لا

 ولنْ تشبعَهم طراوة لحْم الغزْلان

نعْرفهُم ونعْرفهُم ونعْرفهُم ثمّ نعْرفهُم

منْذ أن زلّت قدَما الصحْراء وانكشَف سرّ الغيْب

لمّا رسَموا خرائط للحُلم وتوغّلوا في فجَواتنا كالكَواسر

لمّا جرّفوا منّا الــدّم لمّا حرّقوا الأكْباد لمّا حوّلـوا دمـْعَـنا رمَـادا

وتَبادلوا رسائلَ الحرْب ورسائلَ الحُب على ما تبقّى منْ أشلائنا المُلقاة

كيُوسُف في عمْـق الجُبِّ؟

أتدْري أيّها المتربّص بالليْل؟ ربّما لمْ يصلْك الخبَر بعْد

أنّا نَحرْنا القمَر لنـرْضـيَهـم

نَحرْنا الشمْس لنضيء ظلْمتهم نَحرْنا النّجُـوم لإغـوائهم

نَحرْنا قامات الجبال لهُم

نَـحرْنا التـّرْبـة والحجَارة وما تبقّى في البرّية منْ نفَس

 وقلنا عَسى!

نَـحرْنا الجمَل الأخير وهو يبْكي عَطش الرّوح

نَـحـرْنا الثـّور الأخـيـر الأسـَد الأخـير وحتى النّمر الأوحَد في الغابة

نَـحرْنا المُهْر الأخير والجوادَ الهارب منْ ظلّ الهزائم

نَـحرْنا ما تبقّى منْ كرامتنا!

نَـحرْنا فُتات الذاكرة على مَوائدهم

وقُلنا.. عسى ....... وَ ....... عَسى!

ولَـمْ تبْـقَ إلا مَرايا الـكتَاب

***

أشِحْ بيَباسك وجفَافك

اتّكلْ عليْك

وعرّج قليلاً على قلاع المسْخ قبل أن يَميد بها الوهمُ

عـرّج قلـيلاً على كـفَـني 

برّجْني واخطفْ أرواحي لمَـن هـنّ خلفَ السّور في انتظار

لا الخـباءُ حمَـاني ولا مضاربُ العَشيرة ولا بيْتُ الهَزائم

لا زلت مرْمية عنْد العتَبات

أنا رهينَة المُحال رهينة الخُضوع رهينة الذّل رهينَة الاحْتمالات!

أخْرق طقُوس التّبرّج بفاقع الألوان

بحلّة الفرح وحلّة الجُرْح وحلّة العُرْي وحلّة الفضيحَة

وحلّة الخَواء وحلّة الرّحيل وحلّة الفُـقدان وحلّة الذّعْر

وحلّة الحدَاد وحلّة العَدمْ.. وما نُسجَ على عجَل منْ كفنْ!

لا زلتُ هنا أزنُ قناطير الفَجائع التي هي مَهري

أترقّب منْ وعَدوك بأبْواب السّماء

تُشرّعُ.. وتُشرّعُ.. وتُشرّعُ

أنا ابْنة الهمّ ورَبيبة الغمّ!

أنا سـليـلة صـخْـر إنْ شقّـوه وجدوني

أنا زهْرة الرمْل أرمّم دواخلي بشغَف الوهْم

أكشف عنْ جسدي لصبايا العَشيرة

أرْتـق ما تيتّـم منْ أشـلائي

أخْطف قليلاً منْ سحابات العمْر وغلاّت هذا  الزّمن الكَسيح

فأنا كمَا ترى يا ابْن العمّ ويا ابْن الخال ويا ابْن الجار

يا أنت يا منْ حفَروه في الجَـبين حلالي

لا زلتُ شفّافة كقطرات النّدى في أوّل الفجْر

أشاكس الزّمن أغافلـهُ أسْـرق منه زمنا آخر أفاجئ فصوله المؤجّلة

في مَدافن الرّوح بالحَكايا ووهَج الأسْرار

أفلا عجّلت بكشْف هذي الغمّة الممْعنة في الصّهيل!

أشعلْ قناديل الرّوح واقْرأ جسَدا سيّجته الظنُون!

لك أن تفُكّ ما استعْصى منَ البوْح

وما خلف الوعْد منَ الرّموز

فبأيّ الخطـوط أزيّن قامات النـّخيل..

بأيّ نور أخيط جرْحها عقيقا لوَجعي

بأيّ الخطوط أودِعُ جسدي السّر المكْسور..

ودمْع الرّمْل وسعَف نَخيل العُمْر!

اختَبئي يا أوْسمة الوَحل

ولتنْفلقْ أثقالك يا غيْمات السّنين العجَاف

وأنْت أيّها النّجْم الهارب اخْـتبئْ حيــْث تـشاء الصُّـدْفة

سَماؤك مفْقوءة العيُون وترْبتك لمْ تعدْ حُبلى

لا بما يشتَهي القلْب ولا بـِمـَـا يَهْوَى الخَاطِرُ

***

شُدّ حبال صوْتك لنزيفي

أمْزجْ ما أتـْلِفَ منْ شـدْو الرّوح

وانْصـتْ لما يعْـبُرني منْ وجَـع!

ليْس هيّنا أنْ تعْرف سرّي وخُطوط جسَدي

ليْس هيّنا أنْ تعْـبر كالرّيـح ما بيْن مـدّي وجـزْري!

ليْس مُتاحا أنْ تلمَس أشْـواق لغَـتي وارتبـَاكات شِعْري!

ليْس مُتاحاً أنْ تسْتدفئ بشلاّل طيْشي

هُنا الأشبَاح لا تغْفل ولا تـنامْ

كيْف لي أنْ أنْسلّ منّي

لأسْكن غيْمة أو أستقرّ في كفّ جمْرة!

***

منْ نصيرُك أيّـها اليَتيـم لدَم أخ جبانْ وصَديق خانْ..

وجار أحْكم الخناق حدّ المُحالْ

صرخْت

طـويلاً ....... طـويلاً ....... طـويلاً

صرخْت حتى تصدّعت الجبال

بأعـلى من الـبـوْح وأفصَح من الفضْح

منْ أباح رجْمي منْ أباح سفْك دمي

منْ اسْتباح عرْضي وأرْضي منْ اسْـتباح همْسي وما خفي من أنفَاسي

مَنْ كَانَ المُبشِّر و َمَـنْ كَــانَ النَّذِيرُ .. مَنْ؟

وكما صرْختك  يصْدح أبــُـــو الطّـيـــب حدّ العَويل

من ترْبته "كمْ قد قُتلْتُ وكمْ قدْ متّ عنْدكُم ثم انْتفضْت فَزالَ القبْر ُوالكفَـن"

***

أنا المجْنونة

برْكان من العواء ينْهشني

لك حنْجرتي وزّعها على ما تبقّى من الحشْرجات والنُواح المسْتعْصي

أنا المجْنونة لك صدْري مشرّعة أبْوابه لما تيسّر من النّكَبات

أنا المجْنونة لك عيوني تبْحث عن حقّها في الكحْل

أنا المجْنونة لك شفاهي حطبا محْروقا لمَا ذُبح من القُبل

أنا المجْنونة لك الرّحم أحْرقْه بما تبقّى من انْتصارات كاذبة ومنْ هزائم...

***

أيّها السُّومريّ الأعْزل

يا حارس غيْمات الزّمن يا حافظ أخْتام الكوْن

منْ أحْرق طينك والرُّقم منْ فتّت ترْبتك

وباعَ في العَلن ما تبقّى منْ غبارك

منْ أغْـرق فخّـارك وألْـواحك

منْ جعل الدّم مهْراً لشتاتك منْ جعل طيـبَ جنّـاتك

دية  لقاتِلك .. و.. قاتِلك .. وقـَـــاتـلـيكَ

***

يا حادي الأغْنيات الرّاحلة

عرّج قليلا على وجَعي

مشرّعٌ هذا الجرْح مثْقلة دماؤُه بقرون من الوهْم

هنا أتْلفوا ذاكرة الترْبة تاريخ الزهْر والرّمْل وحتّى تاريخَ الحجَر

فلا تسْأل أكْثر عمّنْ رجمك بكلّ هذا الورْد وهذا الورْد!

نَطق الشيْخ الجليلُ وقـفَ سامقا يخبئ لحْيته في جذْع نخْلة

يورِّق ماءك يا دجْلة وينْخلُ نجْماتك يا سماء بغداد؟

"كمْ منْ عقْل أسير عنْد هَوى أمير"*

 

***

أنا المجْنونة

 أفْضح وجْه جلادي

 لك ملامحي المشقّقة وزّعـْها على ما تبقّى من النّدُب

وإنْ شئْت لك جسَـدي العـاري خذْه لاحْتفالية الأشبَاح

فـي حــضْــرة الوحْـش الأكبرْ والإمــَام الأكبرْ والشيْــخ الأكبرْ

وشبيهي أوْلياء النّعم!

***

هنا غازلاتُ المحنْ يوزعْن ما طاب من الفجائع

هـنا نـاجي يناجي الدمَ..

علـيـّا كـانَ

هنا حيْث نبتت المقْبرة مع ما تبقّى من الأحْياء..

بيعتْ تجاعيدُ أمّي في مزادات الألقَاب

قيستْ حفرُها عمْرا بعمْر

هي المبْتهجة بالنّـشـيد الخـفيّ تـرتـّله بقاياهـا

في حـجْر الله المـوْعــود؟

***

يا أيّها الطغاة ويا أيّها الطغاة..

والطغاة الواقفون على مرْتفعات الـرّمـْل

تشرّدنا حتى كره منْ أجْسادنا العمْر!

تشرّدنا حتى عافتْنا في مفْترقات الرّحيل الحَياة

زيدُونا منْ أفْضالكمْ يا أيّها الطغاة ويا أيّها الطغاة ويا أيّها الطغاة

والطغاة

الطغاة

الطـغاة

الطـغاة

الطـغاة

الطغاة

الطغاة

***

منْ يشتري دمك والمسَامات؟ منْ يشتري دمك واللحْم والعظم؟

هنا جلس منْ لفّ السّماء كالسّجادة تحْت إبْطه

اسْتقرّ على العرْش يفتّت مسْبحة خطفها منْ بؤبؤ الأطفال

وعابري السّبيل وذوي القُرْبى وصلة الرّحم

ونساء ذبحتْ شهْقتهن عنْد عتبات المعابدْ

هنا الماءُ المرّ!

منْ يشرب نخْب الخراب وعرْس الفجائع؟

***

 

يا أيّها القتيلُ في مائك المتجمّد لا تيأسْ لقدْ نما الفجْر

ها هنا؟

أرْخى الهلاكُ ظلاله وأوْشكَت الشمْس على المغيب

هيئْ صليبكَ واسْتعدّ للصّعود مع الطيور المُهاجرة

لا تنْسى طوق الأشواك وإكلـيلَ الغـارْ!

لا تنْسى عطر الليْمون وما أهْدتْك الجارة منْ زعْتر ومنْ دبْس الرّمانْ!

***

يا أيّها الوافد مع ما هرّب من الغيْم! لقدْ شُرّعت

مجْزرة القدْس مجْزرة الشهداء مجْزرة كرْبلاء مجزرة الأنبياء

مجْزرة الصّالحين مجْزرة الأوْلياء

مجْزرة الثواب مجْـزرة العافية مجـزرة التوْبة مجْزرة العفْو

مجْزرة الغفْران مجْـزرة العدْل مجْزرة اليقين

مجْـزرة الرّحْمة مجْزرة المغْفرة مجْزرة الهداية

مجْزرة المؤمنين مجْزرة المتّقين!

***

أيّها البحّار الأسْطوري

لمنْ تلـوّح بأشرعَـتك وأنت تخُـط في اللـوْح

"لا يبْلغ الأعْداء منْ جاهل ما يبْلغ الجاهل ُمنْ نفْسه"؟

***

أيّها القتيلُ الموغلُ في الشجنْ

جهّز نفْسك للرقْص

هي ذي الغجَرية حارثة الدّمع الممْعنة في الحدَاد

تفْترش أجْنحة الرّيح؟

تُلمْلمُ ترابا وَدما

تُلمْلمُ جسدًا دافئا لا زال مدثّرا في الرجْفة الأخيرَة؟

أيّها القتيلُ

هي ذي الغجَرية تجْمعك كلـّك أو بعْضك

في الهزيع الأوّل من الصّمت تخْطفك؟

تُهرّب ريقك ليزْهر الهواءُ في الهواءْ!

قبْل أنْ تخْتـار واحدة منْ صلواتـكَ؟

"أنا قـوسٌ بيْن يديـْك يا إلهي فشدّني لئلا أتفسّخ

لا تشدّني كثيرا يا إلهي لئلا أتحطّم

شدّني كثيرا يا إلهي فمنْ سيهتمّ لتحطّمي"**

 

***

ما أمرَّ شكْواك!

ها هيَ المحْرقة أسْماؤها متعدّدة متنوّعة مساحاتها مفْروشة

تتمدّد من الرأس إلى أخْمص القدميْن

على هَامة هذا الوطن الذي لمْ يسْتشفّ بعْد حجْم فجائعه

قسْ على ما لا يُقاس به واعْلم

""أنّ لنـا ما يكْفي من الرّمل لنغْمس الرأس كفـرْخ النـّعام"

 

* علي بن أبي طالب

** نيكوس كازانتزاكيس/ تقرير إلى غريكو

 

 

 

 






اشترك في قائمتنا البريدية
بريدك الالكتروني:
  اشتراك
  الغاء الاشتراك



© جميع الحقوق محفوظة، مركز الاعلام الفلسطيني 2013