Get Adobe Flash player
أخبار وتقارير | ثقافة | آراء ومقالات | وثائق | روابط |
| اتصل بنا | من نحن |


الرئيسية > نافذة ثقافية > Print, Email and Share

ماري عجمي
1888-1965

 عبير الشيخ حيدر

"إن أمة هان على أبنائها بذل الدماء، لا يصعب عليها الانتصار في ميادين العمل"..

عبارة خطتها ماري عجمي منذ مائة عام، تستنهض شعبها في مواجهة الاستبداد والظلم في فترة عصيبة عاشتها سوريا، عهدي الاحتلال العثماني ومن بعده الفرنسي، وما خلفاه من طغيان ومحاولات محو الهوية الوطنية والقومية. 

في زمن تحطم فيه المرأة العربية كل جدران الخوف، نستحضر ماري عجمي وجهاً أنثوياً شعَّ في تاريخ سوريا، المرأة الدمشقية الأديبة والشاعرة والخطيبة، الثائرة في وجه الاستبداد، والمناضلة لأجل حرية المرأة. فما زالت الحرية  تستسقي دماءنا، والمرأة العربية الأم والأخت والابنة والرفيقة شريكة حقيقية للرجل في المظاهرات والمعتقلات وشهادة الدم لأجل الحرية والكرامة والمساواة.

ولدت ماري في دمشق سنة 1888 لعائلة تعود أصولها إلى مدينة حماة. تلقت تعليمها في المدرستين الإيرلندية والروسية، درست اللغتين الروسية والإنكليزية، ونالت شهادة الثانوية في تموز 1903. التحقت بمدرسة التمريض في الكلية الأمريكية في بيروت، لكنها لم تكمل. وعادت إلى دمشق، إذ عينت معلمة من درجة أولى في المدرسة الروسية. علّمت ماري في عدة معاهد في كل من: سوريا وفلسطين ولبنان والعراق ومصر. ولمعت كخطيبة بليغة في الجمعيات والنوادي، وكأديبة ومترجمة وشاعرة.

أنشأت ماري سنة 1910 مجلة العروس أول مجلة نسائية سورية، استمرت حتى عام 1914  لتتوقف خلال سنوات الحرب، وتعاود إصدارها 1918 حتى العام 1926.

كتبت ماري تقدِّم مجلتها: "إلى الذين يؤمنون أن في نفس المرأة قوة تميت جراثيم الفساد وأن في يدها سلاحاً يمزق غياهب الاستبداد، وأن في فمها عزاء يخفف وطأة الشقاء البشري- إلى الذين بهم الغيرة والحمية- إلى الذين يمدون أيديهم لإنقاذ بنات جنسهم من مهاوي هذا الوسط المشوه بانتشار الأوهام، أقدم مجلتي لا كغريبة تثقل بها عواتقهم، بل كتقدمة إلى من يليق بهم الإكرام وتناط بهم الآمال"[1].

كانت ماري تتولى كتابة المجلة كلها إنشاء وترجمة، فتنوعت مواضيعها ما بين الأدب والتاريخ، والمواضيع الصحية والشؤون البيتية، إلى الفكاهات والنوادر والمناظرات والروايات الأدبية التهذيبية[2]. استقطبت كبار الأدباء والشعراء العرب في المشرق العربي والمهجر للكتابة فيها: جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، إيليا أبو ماضي، جميل صدقي الزهاوي، أحمد شوقي، حافظ إبراهيم، الشاعر القروي، الأخطل الصغير، عباس محمود العقاد، وسواهم.

وقد وصل عدد صفحات المجلة من 32 إلى 64 صفحة بدايةً من 1914 وحتى 1926. وكان  مجموع ما صدر من العروس أحد عشر مجلداً في ستة آلاف وتسعمائة صفحة. بذلت ماري عجمي جهدها للنهوض بوعي القارئ العربي وتعزيز ثقته بنفسه ووطنه في أكثر الفترات قسوة وظلامية في تاريخ سوريا، فالاستبداد التركي على أشده، والانتداب الفرنسي يهيئ نفسه لاحتلال سوريا. فأصبحت مجلتها العروس منبراً للأدب والفكر الإصلاحي والتربية الوطنية، ودعوة إلى تحرير المرأة والنهوض بها. ‏

كان موضوع المرأة شغلها الشاغل، ولهذا أسست مع نازل العابد سنة 1920 النادي النسائي الأدبي، وهو أقدم وأعرق النوادي النسائية في سورية. ألقت ماري في حفل افتتاحه خطبة بعنوان المرأة والمساواة، وهذا بعضٌ منها: "لقد ثبت للعلماء أن إصلاح البلاد لا يتم ما لم يوجد التوازن بين الجنسين في العلم والمعرفة، ليتعاونا معاً في الوصول إلى مركزهما العلمي، إن صرخة النساء في طلب المساواة طبيعية لا مناص منها، وبرهاني على ذلك يقتضي الرجوع إلى التاريخ، فإذا قلبتم صفحاته ترون الأمومة أقدم عهداً من الأبوة". سعى النادي إلى إحياء نهضة اجتماعية ثقافية وسط المرأة العربية، وذلك بإلقاء المحاضرات وإقامة الحفلات الأدبية والفنية وإيجاد مكتبة خاصة بالسيدات، وتعليم الطالبات المحتاجات، وتشجيع المصنوعات الوطنية. كما أسست جمعية  نور الفيحاء ومدرسة بنات الشهداء. لقد برزت ماري كخطيبة بليغة في الجمعيات والنوادي، وكانت المرأة الوحيدة في جمعية الرابطة الأدبية التي تأسست في دمشق سنة 1921، وعضوة في لجنة النقد الأدبي.

لم يتوقف نشاط ماري في المجال الاجتماعي والثقافي، بل شهدت مواقف نضالية عظيمة في وجه الاستبداد العثماني. فقد ربطتها قصة حب مع وكيل مجلتها في بيروت بترو باولي، جمعت بينهما الأفكار الثورية والوطنية المناهضة للاحتلال التركي. كانا على وشك الزواج، حين اعتقله الأتراك وسجنوه. تحدت ماري الجنود العثمانيين، وكانت تزوره في سجنه في دمشق وتنقل له الرسائل لتقوي من عزيمته. كتبت له: "أخي السجين، أكتب إليك على ضوء القنديل، ولكن ما ينفع النور إذا كان القلب مظلماً؟ لقد نسيت العالم منذ رأيتك على هذه الحال..خذ حرية كحريتي، إن شئت، وأعطني سجناً كسجنك ."وفي رسالة أخرى: "أخي السجين: أتدري أنك في سجنك أكثر حرية مني، وأن السلاسل والأقفال التي يغلون بها أيدي السجناء، ليست بأشد مما توجه إلى ذاكرتي"[3]. ولم تتوانَ عن فضح فظاعة السجون والتعذيب والحالة القاسية التي كان يعيشها رفاقها الأدباء الذين سجنهم السفاح جمال باشا، تصف أحدها: "وكنت إذا وقفت أحدث أحداً من الأدباء السجناء، سددت أنفي بالمنديل لنتانة الروائح التي يستنشقونها ولايميزون، وقد رأيت الخفر يخرجون جثة من السجن مضى عليها أربع وعشرون ساعة، وكان الأدباء يفترشون الكراسي في الليالي الباردة مخافة سراية البعوض مزدحماً على تلك الفرش البالية المهفهفة".[4]

أُعدم حبيبها مع قافلة شهداء سوريا ولبنان في 6 أيار 1915. تقول ماري في وصف حبيبها: "وكما يحتفل الفتى بزفافه، هكذا احتفل هذا الشهيد بمشنقته، فما دُعي إلى ارتقائها حتى صاح بشركائه فيها: هلموا أيها الإخوان، إنها لأرجوحة الأبطال»[5]. فعندما رأت مشانق الشهداء معلقة في ساحة المرجة بدمشق وساحة الشهداء في بيروت، انفجر حزنها وغضبها، فاستصرختهم: "أما تبرحون غارقين في سباتكم أيها النائمون؟‏ أما تعبت أجنابكم من اللصوق بالرمال؟‏ قوموا، فقد نمتم طويلاً..والجداول تناديكم "أن هيّا عودوا إلينا".. لقد كفى القلوب وجداً وأنيناً".

ماعانته بلادها من ظلم وقهر، وفقدانها المؤلم لحبيبها، أسهما في ارتقاء رؤيتها الإنسانية ومعاداتها للحروب وتدمير الشعوب. ففي مقالة لها عن الحرب والمجد تقول: "هكذا تفصل الأجساد عن الرؤوس من أجل أراضٍ صماء تبتلع الإنسانية ولا تفنى. إن كلّ ما أحرزه نابليون من الظفر في «أوستر ليتز» لا يوازي خسارة حياة إنسان واحد في عين الله. لا أرى في العالم إلاّ شرائع الدمار ووسائط الخراب. إن حفلة تعقد لترقية المدارس هي خير لدى العقلاء من تأليف أسطول إنجليزي ثانٍ، وعمل باستور في العالم هو أشرف وأفضل من عمل جميع أبطال العالم وفاتحيه".

شكل اسم ماري علامة فارقة ومميزة في مسيرة النهضة العربية، تمتعت بالأصالة في فكرها والانفتاح على ثقافة الآخر دون أن تتخلى عن جذورها. فهاهي تفضح دور مدارس الانتداب في محو التاريخ والهوية الوطنية: "لا شكّ أن هذه المدارس أرقى نوعاً من المدارس الأمريكية والوطنية، لكنها لا تفرّق بين مصلحتنا ومصلحتها، فهي تعلّمنا لغة وتاريخ بلادها، وتثير احترامنا لتقديس راياتها، وتضع في أفواهنا نشيداً وطنياً لبلاد لم تقع أعيننا عليها. ولا أزال أذكر كم بكيت في طفولتي على الملكة فكتوريا يوم حضرتها الوفاة إذ رأيت الدموع في عينيْ معلمتي، مع أني لم أبك على أحد من قومي».

أكدت ماري من خلال قلمها وخطاباتها ومواقفها السياسية وعيها بأهمية المثقف ودوره في تأكيد قيم التحرر من الاستعمار وفضح زيف طروحاته عن الحرية والإخاء والمساواة. فقد دافعت عن حق بلدها بالاستقلال، تقول: "من ذا الذي يقول إننا أمة لا يليق بها أن تُمنح الاستقلال، لا تعرف أن تحكم ذاتها بذاتها؟ واأسفاه، حتى الآن لا تزال الأغراض تلعب بنا، والضعف يكم الأفواه، والتحزبات تمثل بنا. لقد تنامى الليل وافتر جبين الصباح، فلنسدل على الماضي حجاباً كثيفاً، ولنعمل معاً على إحياء الوطنية في قلوب أبناء سورية وبناتها، لأنه إذا استولت علينا فرنسا لا تجعلنا فرنسيين، ومحال إن حكمتنا بريطانيا أن نصير بريطانيين".

انشغال ماري الدائم بهموم بلدها والنهوض به لم ينسِها موهبتها الشعرية وبراعتها في الوصف. فقد رثت أميرالشعراء أحمد شوقي في قصيدة أنشدتها أمام الشاعر اللبناني أمين نخلة، كان مطلعها: "هزوا الغصون لعله نائم.. سكران في عش الهوى حالم‏". فقال لها: أعطني إياها وخذي شعري ما شئت، وعند رثائه لها في حفل تأبينها قال: "مالهم لا يهزون الغصون،  لعلها نائمة، مالهم لا يرون في يومها ما رأته في يوم شوقي"[6].

انعزلت ماري بقية حياتها في منزلها في باب توما، ولم تتزوج بعد استشهاد حبيبها. غابت عن الأنظار وفارقت الحياة في كانون الأول 1965. دُفنت في مقبرة باب شرقي، يدلك عليها قبر صغير محفور عليه اسمها. ماري عجمي منارة تحتاج سوريا لها الآن أكثر من أي وقت مضى.

                                                                      

 




 

 

 

 

 



[1] - مجلة العروس، العدد الأول، المجلد الثاني، كانون الثاني سنة 1912.

[2] - مجلة العروس، الجزء الأول، المجلد العاشر، آذار،1924، ص.1.

[3] - جحا، ميشال، ماري عجمي، دار رياض الريس، بيروت، 2001، ص. 13-14.

[4] - المرجع السابق، ص.17.

[5] - مجلة العروس، العدد العاشر، المجلد الرابع، تشرين الأول 1918، ص. 341-343.

[6] - في مهرجان ماري عجمي، اتحاد الجمعيات النسائية في دمشق يكرم فقيدة الأدب الرائدة الأولى ماري عجمي، مطابع ألف باء، دمشق، 1966، ص. 47-49. منقولاً عن المرجع السابق، ميشال جحا، ص. 283.

 






اشترك في قائمتنا البريدية
بريدك الالكتروني:
  اشتراك
  الغاء الاشتراك



© جميع الحقوق محفوظة، مركز الاعلام الفلسطيني 2013