Get Adobe Flash player
أخبار وتقارير | ثقافة | آراء ومقالات | وثائق | روابط |
| اتصل بنا | من نحن |


الرئيسية > أراء ومقالات > Print, Email and Share

المشاركة النسائية بين المِنَح والحقوق

ريما كتانة نزال

حققت المرأة الفلسطينية إجمالاً معدلات متقدمة نسبياً على صعيد المشاركة في مركز القرار. لكن هذه المشاركة تبدو كمن يقف على واحة من الرمال المتحركة التي تجعلها بعيدة عن الثبات والاستقرار، ما بين تقدم هنا وتراجع هناك، وبما يبقيها مصدراً لقلق الحركة النسائية من الضياع والاندثار كأثرٍ بعد عين، لافتقادها الآليات والخطط التي تحفظ ديمومتها.

 

الثقافة السائدة وموقع المرأة

 لا نختلف في تشخيص الأسباب التي تحول دون امتلاء سلّة المرأة الحقوقية، أو في سبب مراوحة تلك الحقوق في مكانها أو حتى احتمالات سحبها. فالمرأة الفلسطينية، من جانب، تعيش في نطاق مجتمع تسوده الثقافة التقليدية، وتتحكم فيه العادات والتقاليد، ويعلَّق على مشجبها حرمان المرأة من حقوقها في الكرامة والعدالة الاجتماعية والمساواة.

إن الثقافة الأبوية السائدة وانعكاسها على النظرة من أهلية المرأة تضعها إجمالاً في مكانة أقل، واقود للاعتقاد بفصل واختلاف الأدوار الاجتماعية المنوطة بالنساء؛ عن أدوار الرجال استناداً إلى الطبيعة الفسيولوجية لكلا الجنسين، ويتبع ذلك تصنيف وتقسيم خاصان للعمل بينهما انطلاقاً من الطبيعة الجسدية الخاصة بهما، فعرف نظام تقسيم العمل بين لأدوار تصلح للنساء في داخل المنزل وخارجه، وأعمال أخرى صالحة للرجال خارجه فقط.

من جانب آخر، وعلى أساس الرؤية المستندة إلى الاختلاف البيولوجي، يتم النظر للمرأة انطلاقاً من اعتبارات دورها الإنجابي وموقعها في نطاق الملكية الخاصة للعائلة والعشيرة، وبذلك أُتبع قرارها وحقوقها وخياراتها بقرار ونظم العائلة والعشيرة، بديلاً لارتباطها بالنظم والقوانين العامة وأحكامها. كل هذه الوقائع التي ترسخت عبر مرور الزمن أنتجت وضعية خاصة بالمرأة، التي ساهمت مع سلة العادات والتقاليد في تكريس النظرة الدونية لها.

 

مأزق الثقافة الأبوية

 موقع المرأة الفلسطينية في الموروث والعادات والتقاليد يعيش مأزقه الخاص، ولا يستطيع الاستمرار في العيش على نظريات تقسيم العمل في ظل التغيير الموضوعي المستمر على الاحتياجات المتزايدة للمجتمع، وغير ذلك من التغيرات على واقع المرأة المعيش. من هذه المتناقضات يواجه الفكر التقليدي، رغم قوته، تحدي اللحاق بالتطورات الجارية رغم أنفه واحتياجات التنمية، ما يرد بحزم على عملية فصل المرأة عن التنمية والإنتاج وعن حيثيات المشاركة على جميع الصعد.

الواقع الفلسطيني يمتلك خصوصية، وتطبَعُه سمات تميزه عن سائر المجتمعات المحيطة. وتنطلق خصوصية المجتمع الفلسطيني من واقع الاحتلال الطويل الذي دفع المرأة الى العمل الوطني، أولاً، ومن ثم دفعها إلى الانضمام إلى عضوية الأحزاب والنقابات والمؤسسات، وإلى تأسيس الأطر والجمعيات النسوية. لقد بررت مقاومة المرأة للاحتلال عملية خروجها للعمل وللشارع بهدف المشاركة في النضال وفي مواجهة الأعباء والمتطلبات الإنسانية والخيرية والاجتماعية، وكذلك الاحتياجات التي خلقتها الهجرة والتشرد والقمع والعدوان. فكان أن أسهمت البوابة الوطنية ومقارعة الاحتلال في إنتاج الأدوار النضالية والحزبية الجديدة للمرأة الفلسطينية، كما سوَّغت خروجها للعمل لتعويض مكان الرجل الغائب بسبب الاعتقال والإبعاد والاستشهاد.

ومع استكمال المشروع الاحتلالي لمآربه، كانت المرأة تتقدم في تطوير برنامجها الوطني المندغم بالشق الاجتماعي دون عزلتها عن التزاماتها الوطنية، ودون حصر جهودها بالارتباط بمصالحها الاجتماعية والحقوقية، الأمر الذي وسّع تدريجياً مساحة أدوارها النضالية والسياسية والاقتصادية، ومكَنها من اقتحام مجالات كانت حكراً على الرجل واختراقها دوائر كانت محرمة وممنوعة عليها. هذه الأدوار الجديدة أدت وظيفتها إلى هز ثبات وديمومة الأدوار النمطية المتأسسة على الأدوار الإنجابية أو قصرها على الخيري منها لتنقلها إلى مساحات سياسية واقتصادية واجتماعية.

 

التردد والتلعثم إزاء حقوق المرأة

في تناقضات المعادلة المشار إليها أعلاه، يمكن وضع الإطار المفاهيمي لتردد مركز القرار- ذي التوجه العلماني بشكل عام- من أجل الدفع بالاستحقاقات التي يقع على عاتقه تكريسها وتحليل أسباب عدم حسم موقفه باتجاه تبني السياسات والتدخلات وصولاً إلى تحقيق التغيير الاجتماعي. وكذلك يمكن فهم موقف المجتمع الذي شرّع بشروطٍ مشاركةَ المرأة وعملها، أو منحِهِ الاعتراف المحسوب بدقة والمقتصر على الرموز النسائية المعروفة وعلى أعداد قيادية محدودة ومميزة.

ويجد الإقصاء مأزقه في حقيقة تطور نسب التعليم التي تصنف كذلك من الأسباب التي تبرر إقصاء المرأة وإبعادها عن العمل القيادي العام، حيث حققت المرأة نسباً عالية في التعليم العالي، ما ساعدها على الخروج للعمل، وبواسطتها اختصرت المسافات وحققت تقدماً على التغير الواقع على العلاقات الاجتماعية والأسرية، دون تجاهل أن الخصوصية الفلسطينية بوقوع الأرض والشعب تحت الاحتلال قد ساهمت بشكل رئيسي في تغيير الأدوار التي تلعبها المرأة الفلسطينية وفي كسر حلقات من سلاسل القيود الاجتماعية، فاتحةً أمامها بداية المشوار الطويل في تكريس حقوقها، واستبدال العلاقة العشائرية، ونظمها بسلة النظم والقوانين على أساس المساواة في حق المواطنة.

 

تناقضات الواقع مع المكانة

الخصوصية الفلسطينية والواقع الوطني دفعا المرأة إلى مقاومة الاحتلال بجميع الاأشكال التي عرفها المجتمع، وهي بدورها دفعت فاتورتها للاحتلال كاملة دون تمييز من قبله على أساس كونها امرأة، حيث تعرضت للقتل والاعتقال والإبعاد والتشريد، وخضعت للتحقيق والاستدعاء وإلى منع الحركة في إطار ما عرف بالإقامة الجبرية ومنع السفر، كما عوقبت ضمن سياسة العقوبات الجماعية للأسرة والمجتمع. كل هذا ساهم في انتزاع الاعتراف المجتمعي بدورها، ومن خلاله حصلت المرأة على مساحة وهوامش مهمة في العمل العام، ودفعها للانضواء في الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وتأسيس الحركات النسائية التي تحمل برنامج الشعب بأسره عبر مساهمتها في التحرر الوطني وبرنامجها الاجتماعي التحرري.

إذاً، نحن أمام كشكول من المتناقضات، فمن جانب لم يتحقق الاعتراف المجتمعي بحقوق المرأة بشكل كامل، بل فتح باباً موارباً أمام الحقوق الاجتماعية. ومن هنا نستطيع الاستنتاج بأن المرأة لن تستطيع أن تحقق طموحاتها الحقوقية استناداً لقاعدة المساواة في المواطنة وفقاً للنظام الأساسي، وبأن أمامها انتظار المنح والهبات الحقوقية من صاحب القرار المنزوعة عن الرؤية الاستراتيجية القائمة على أسس مبدئية انطلاقاً من  طبيعة النظام المراد تشكيله.

 

أثر الضمور التنظيمي

يؤثر الحراك النسوي الشعبي النشط إيجاباً في كسر المعادلة النمطية وتحقيق المكتسبات. فعلى سبيل المثال، كان للحراك النسوي الأثر الواضح في تبني تخصيص (الكوتا) في القوانين الانتخابية، وساهمت الحركة الضاغطة للمنظمات النسائية، بدعم من الأحزاب السياسية، في تعزيز مكتسباتها في المشاركة السياسية، وكذلك في تطوير بنود قانونية ذات أهمية لإنصاف المرأة، وفي الانضمام إلى اتفاقية مناهضة التمييز ضد المرأة (سيداو).

الإنجازات النسوية معرضة للتراجع، وذلك لأسباب عدة، منها ما هو ذو صلة بتراجع دورها الجماهيري في الميدان الوطني، والذي بدوره سيؤثر حكماً وسينعكس على وتيرة تطور حقوقها الاجتماعية إلى الأمام. لقد قيل نعم، من قبل صاحب القرار، لبعض مطالب المرأة نتيجة للزخم النضالي الذي أغنت به الساحة الوطنية ولامتدادها الجماهيري، وسيقول المركز لا، أيضاً، للمطالب الحقوقية إن لم تقترن بنضال وجهد وزخم شعبي يدعم المطالب ويضغط بها.

 

أثر الحراك المحلي والعربي

 لا يمكن استمرار تحقيق المكاسب عن طريق التعيين أو بواسطة القوانين بقرار، نظراً للتغير الطارئ على الخريطة التنظيمية للمجتمع الفلسطيني. لقد شهدت السنوات العشر الأخيرة نمواً مضطرداً لحجم التيار الإسلاموي وتأثيره في المجتمع، وهو التيار المنظم والمنتظم في بنى حزبية عقدية أصولية وسلفية وتقليدية، عدا المنابر التي يمكنه من خلالها مخاطبة المجتمع. التيار العقدي معروف بمعارضته المبدئية لحقوق المرأة ومساواتها، الأمر الذي يضغط سلبياً على الأطراف السياسية لتنزل بسقوفها ومواقفها السابقة سعياً وراء تخفيف التناقضات، ولكون التيار المشار إليه يحظى بشعبيته ومؤيديه.

لقد مثلت التجارب السابقة، كتجربة البرلمان الصوري والقراءة الثانية لقانون العقوبات في المجلس التشريعي الأول، وردود الفعل التي افتعلتها الحركات السياسية ذات التوجهات العقدية، أداة اختبار لما سيكون عليه الرد أو التحريض الذي سيمارس من قبلها على المنظمات النسائية، في حال طرحها وتقدمها بقوانين تستند إلى مواثيق حقوق الإنسان، وكذلك يؤشر إلى التداعيات التي ستفتعل في حال نقاشها في المؤسسة التشريعية.

من هنا يمكن توضيح الأسباب التي أوقفت السلطة عند حدود مصادقتها على (سيداو)، حيث لم تلحق مصادقتها بسياسات وتدخلات عملية لترجمة التزامها على أرض الواقع بهدف الإصلاح والتغيير.

إن الضغط غير المباشر الذي تقوم به الاتجاهات التقليدية على جميع المستويات سيدفع إلى أن تشهد الساحة المزيد من التردد إزاء حقوق المرأة. بل من المنتظر أن يتصاعد مع بروز عامل مستجد يتمثل بوصول التيارات الإسلاموية وأحزابها إلى السلطة السياسية. لقد أدى الحراك الجماهيري العربي الذي بدأ في نهاية العام 2010، ولم يستقر بعد، إلى تغيير نوعي على المشهد العام، ويشير إلى أن تغيير وجه الأنظمة السياسية سيتبعه تغيير أعمق على البنى الاجتماعية، وبشكل عام فقد بدأت ملامح التغيير والتأثير تظهر على المشهد النسائي.  

 في ظل هذا الواقع المتغير، يصبح طرح السؤال حول الحقوق المتأمل إنجازها في ظل حجم التناقضات في أكثر من مستوى، والإجابة تجد نفسها في صعوبة الواقع على الأرض بوجود الاحتلال، والصعوبة الأهم في المستوى الاجتماعي تتمثل في غياب الإرادة والرؤية الثابتة والنظرة الشمولية تجاه حقوق المواطنين، سواء أكانوا مختلفين بالجنس أم الدين أم بال






اشترك في قائمتنا البريدية
بريدك الالكتروني:
  اشتراك
  الغاء الاشتراك



© جميع الحقوق محفوظة، مركز الاعلام الفلسطيني 2013