Get Adobe Flash player
أخبار وتقارير | ثقافة | آراء ومقالات | وثائق | روابط |
| اتصل بنا | من نحن |


الرئيسية > أراء ومقالات > Print, Email and Share

الصراع في "حماس" والدجاجة التي تبيض ذهباً

عبد المجيد سويلم

تبدو غزة الغارقة في بؤسها أعجز وأبعد من أن تكون تلك الدجاجة. يستحيل على المرء أن يتصور حتى بأن القطاع المحاصر والمخنوق يمكن أن تكون له هذه الأهمية الاقتصادية في ظل الشلل الاقتصادي العام الذي يطال القطاعات الاقتصادية كافة، وفي ظل المعدلات المفزعة للبطالة والفقر فيه.

ويصعب على كل مراقب ومتابع أن يستوعب مجرد الحديث عن تكديس الثروات في بلاد يعيش أكثر من 60% من سكانها على معونات وكالة الغوث، ويعاني معظم السكان من نقصٍ حاد في أدنى الخدمات الأساسية.

أما الحقيقة التي أصبحنا أمامها اليوم، فهي أن قطاع غزة تحوّل تدريجياً، ومنذ الانقلاب الذي قادته حركة حماس في أواسط حزيران العام 2007، إلى الدجاجة التي تبيض ذهباً بالنسبة إلى قيادات متنفذة في حركة حماس، وتحولت مصالح تلك القيادات بصورة جذرية من حقل الاستحواذ السياسي والاجتماعي إلى الحقل الاقتصادي المباشر، وأصبح الدفاع عن هذه المصالح هو المحرك الرئيسي والدافع الأهم في المواقف السياسية حيال موضوع المصالحة، وحيال إعادة توحيد المؤسسة الوطنية كنتيجة منتظرة في تطبيق المصالحة.

وقد تبين الآن أن النقاش الذي كان في محصلته يعالج مسألة المصالحة في سياقات فكرية وسياسية بمعزلٍ عن نشوء مؤسسة الانقسام وتطورها وتضخُّمها وتحوُّل هذه المؤسسة إلى مصالح مادية مباشرة، إنما كان نقاشاً ساذجاً وقاصراً إلى أبعد الحدود (هذا إذا افترضنا حسن النوايا)، وكان نقاشاً عقيماً لأنه لم ينطلق من حقيقة تشكل تلك المصالح.

قليلة هي المقاربات التي حاولت أن تحدد حجم دائرة المصالح المتشكلة في قطاع غزة بعد الانقلاب على مسار المصالحة، وقليلة كانت المقاربات التي حاولت التجرد من سطوة العموميات السياسية على المشهد المتكون في قطاع غزة، إلى أن جاء إعلان الدوحة، حيث بدأت تتبدد الطبقات الركامية من الغيوم ومن الضباب الذي كان يلفّ ذلك المشهد ويغطي قسمات وجهه الحقيقي.

إعلان الدوحة أماط اللثام، وبصورة سافرة، عن حقيقة الخلاف في حركة حماس وأفضى إلى تعارضات وتناقضات علنية وعبر وسائل الإعلام.

بات واضحاً اليوم أن محاولة تفادي هذا الخلاف علنياً أصبحت متعذرة، وبات واضحاً أن المعارضة المباشرة لإعلان الدوحة ستؤدي إلى أكثر وأبعد من الخلافات العلنية، وأصبح الطريق إلى وقف التدهور في العلاقات الداخلية لحركة حماس يمر إجبارياً عبر محاولة الاعتراض على ذلك الإعلان في العلن،أولاً، ثم في منعه من الوصول إلى الحيز التطبيقي عبر الشروط المستحيلة وتعطيله على الأرض بكل السبل والوسائل إذا جرى الاتفاق على خطوات محددة بآليات محددة وبجداول زمنية، ثانياً.

المراقب المثابر لمسيرة المصالحة منذ التوقيع على اعلان الدوحة وحتى يومنا هذا يلحظ أن الامور تسير وفق المسار الذي أشرنا إليه، وهو مسار مرشحٌ للتصعيد في الايام المقبلة؛ لأن حركة حماس نفسها هي التي خططت لهذا التصعيد وافتعلته.

الدافع من وراء هذه الافتعال هو محاولة حرف مسار الحوار في الساحة الفلسطينية عن استحقاقات إعلان الدوحة نحو (مؤامرة) جديدة تحاك ضد حركة حماس تشارك فيها مصر والسلطة الوطنية وأمريكا وإسرائيل وأطراف أخرى...!!

تهدف حركة حماس في قطاع غزة من هذه (المعركة) المفتعلة إلى التغطية على حقيقة تلك المصالح التي أشرنا إليها، وتمسّك قيادة حركة حماس بالسيطرة الكاملة على قطاع غزة هو الهدف الحقيقي من وراء هذه الأزمة الجديدة في العلاقات الوطنية، فحركة حماس في القطاع لا تتحمل في الواقع أي أعباء خاصة نتيجة تحكمها الكامل بالقطاع، وهي تجني أرباحاً طائلة جراء هذا التحكم.

 

السلطة تتحمل العبء الأكبر في القطاع

وبالأرقام، فإن حكومة السلطة الوطنية تتحمل العبء الأساسي عن حياة المواطنين في القطاع، إذ يبلغ مجموع ما تنفقه حكومة السلطة الوطنية على قطاع غزة أكثر من 120 مليون دولار شهرياً، وقد بلغ مجموع ما أنفقته هذه الحكومة على قطاع غزة أكثر من 7 مليارات دولار منذ الانقلاب وحتى يومنا هذا.

وتعتبر السلطة الوطنية المشغل الرئيسي في قطاع غزة لأنها تنفق رواتب شهرية منتظمة لما يزيد على 80  ألف موظفة وموظف يعيلون أكثر من 600 ألف فرد.

كما تتحمل السلطة الوطنية النفقات الكاملة عن تشغيل قطاعي التعليم والصحة، إضافة إلى أنها تحول مساعدات اجتماعية لأكثر من 60 ألف عائلة، حيث تبلغ نسبة الأُسر الغزّية التي تتلقى المساعدات الاجتماعية من وزارة الشؤون الاجتماعية 60% من أصل (مئة ألف أسرة تتلقى هذه المساعدات على المستوى الوطني)، كما تدفع السلطة الوطنية بصورة منتظمة أكثر من 50 مليون شيكل شهرياً لتغطية نفقات تزويد قطاع غزة بثلث التيار الكهربائي القادم من إسرائيل.

أما تنفقه حركة حماس على قطاع غزة، فهو رواتب لنحو 40 ألف من قوات الأمن وقوات المقاومة الخاصة بالحركة التي "تحافظ" على سيطرة حركة حماس على القطاع، ولم تعد لها أي وظيفة أخرى بعد أن وافقت الحركة على "تحمل" مسؤولية الحفاظ على التهدئة، وبعد أن تحولت التهدئة إلى هدف أسمى للحركة أصبحت تجند له كل إمكانياتها الأمنية والسياسية على حدٍ سواء، وباعتبار أن التهدئة هي حاضنة الاستقرار وحاضنة ترسيخ حكم حماس لقطاع غزة، واستدامة المصالح الخاصة للحركة وقيادتها عبر هذه التهدئة بالذات.

 

مصالح اقتصادية

لقادة الانقسام

تتجسد مصالح حركة حماس الاقتصادية اليوم في قطاع غزة في المجالات الرئيسية التالية:

·  تتلقي حركة حماس، وقد تلقت على مدار كامل سنوات الانقلاب، مئات الملايين من الدولارات، كانت تدفعها دولة قطر وإيران بصورة منتظمة. وعلى الرغم من أنه لا توجد أرقام مؤكدة حول هذه الدعم، فإن أوساطاً عدة تقدر هذه المساعدات بأكثر من 50 مليون دولار سنوياً.

·  تلقت حركة حماس عبر (بوابة التبرعات) النقدية مئات الملايين من الدولارات، تم جمعها من قبل مؤسسات خيرية تابعة للإسلام السياسي على المستوى الإقليمي والدولي، وهناك أرقام فلكية عن تبرعات تم جمعها من أندونيسيا وماليزيا وبلدان أخرى كثيرة، بما فيها تركيا نفسها.

·  تلقت حركة حماس تبرعات عينية تقدر بمئات الملايين أيضاً، تراكمت على مدى السنوات التي أعقبت الانقلاب، حيث تتحكم حركة حماس حصرياً في استلامها وتوزيعها أو التصرف بها دون رقيب أو حسيب.

·  تجبي حركة حماس الرسوم والضرائب من المواطنين في القطاع بأساليب وأشكال مختلفة دون أن ترتبط هذه الجباية بأي خدمات مقابلة، وقد تمت جباية عشرات الملايين من دون قانون منظم للجباية في السنتين الأولى والثانية في الانقلاب، وكانت الجباية أشبه بنظام الخاوة المعروفة.

·  تدر تجارة الأنفاق أرباحاً طائلة على خزينة حكومة الانقلاب في غزة بعد أن تم تنظيم هذه التجارة وتحولها إلى تجارة "رسمية" وتدفع رسومها وضرائبها بصورة رسمية. وبينما تبلغ رخصة النفق الواحد أكثر من عشرة آلاف دينار أردني تدر الأنفاق موارد خيالية على الداخل منها وإليها، تأتي البضاعة من الأسواق المصرية بالأسعار المعروفة والأسعار المدعّمة من الدولة المصرية، وتباع في الأسواق المحلية في القطاع بأضعافها المضاعفة المعروفة.

إن الشبكة المالية التي تشرف وتدير تجارة الأنفاق هي شبكة معقدة من تحالف السلطة الحاكمة ( قيادة حركة حماس) وبعض الرساميل الطفيلية في القطاع بتدخل مباشر من أجهزة الأمن الحمساية، الأمر الذي حوّل شبكة التجارة عبر الأنفاق إلى مصدر مالي يدر أرباحاً فلكية بالمعنى النسبي لأوضاع القطاع الاقتصادية.

إن هذا هو التفسير المنطقي الوحيد لوجود أكثر من 650 مليونيراً في قطاع غزة معروفين لدى الأوساط المتابعة، ووجود ما يزيد على 1500 مليونير جديد غير معلن عنهم وغير مصنفين رسمياً في هذه القوائم.

 

دوافع رفض المصالحة

التفسير المنطقي لهذه الاعتراضات العلنية الساخرة لاتفاق الدوحة، ثم محاولة وضع الشروط التعجيزية وافتعال المعركة في إطار التصعيد الأخير، ليس معزولاً عن هذه المصالح التي تشكلت في القطاع.

لم يكن سهلاً على حركة حماس في القطاع إشهار خلافاتها الداخلية، وهي الحركة التي عُرفت على مدى سنوات طويلة بانضباطها الداخلي الصارم وبالحرص على وحدتها الداخلية، أن تضحي بهذه الصورة لولا أن إعلان الدوحة في إحدى أهم قراءاته بالنسبة لحركة حماس في القطاع هو نهاية هذا التحكم، والتالي تجفيف هذا القدر الهائل من الموارد، ولم تكن حركة حماس في قطاع غزة لتعارض الاتجاه الإخواني العام نحو الاعتدال ونحو الوسطية وحتى نحو الخطاب المرن على مختلف الصعد لولا أن هذه المصالح أصبحت ضاغطة على قيادات الحركة في القطاع وتحولت إلى الدافع الرئيسي لاتخاذ المواقف.

ولم يكن سهلاً على حركة حماس أن تعيد التأكيد على علاقات "حميمة" مع إيران من خلال زيارة السيد هنية إليها في ظل تزعم بلدان الخليج للوقوف في وجه السياسات الإيرانية على مستوى كامل الإقليم، لولا أن الحركة قد فهمت أن قطر لم تعد مستعدة لرعاية وحماية الانقسام، وهو الأمر الذي جعل حركة حماس عند لحظة معينة تجاهر بالتحاف مع طهران لضمان استمرار دعم الانقسام.

وما كانت حركة حماس لتفتح هذه "الجبهة" دفعةً واحدةً على مصر وعلى السلطة الوطنية وعلى كل من ينادي بإنهاء الانقسام، لولا أن مصالح حركة حماس في القطاع قد تحولت إلى مصالح راسخة وكبيرة، وأكبر بكثير مما يتصور المحلقون في سماء العموميات السياسية.

فغزة الفقيرة البائسة المحاصرة والمطوقة هي الدجاجة التي تبيض ذهباً، والتخلي عن السيطرة على غزة تحولٌ إلى ضرب من اللامعقول السياسي في ظل هذه المصالح.

أكثر الجهات إدراكاً لهذ المعادلة هي للأسف إسرائيل، ولذلك فإن دفع غزة جنوباً إن كان يحقق لحركة حماس البقاء والسيطرة والتحكم، فهو يحقق لإسرائيل أكثر مما تحلم وأبعد مما تتمنى، وهو الإبقاء على الانقسام، وتهشيم المشروع الوطني ومنع تحقيق الاستقلال الوطني، والقضاء أو محاولة القضاء على حقوقنا الوطنية وتدمير أسس كياننا وهويتنا الوطنية.  






اشترك في قائمتنا البريدية
بريدك الالكتروني:
  اشتراك
  الغاء الاشتراك



© جميع الحقوق محفوظة، مركز الاعلام الفلسطيني 2013