Get Adobe Flash player
أخبار وتقارير | ثقافة | آراء ومقالات | وثائق | روابط |
| اتصل بنا | من نحن |


الرئيسية > أراء ومقالات > Print, Email and Share

حماس تفرض حصاراً داخلياً

رجب أبو سرية

إصرار حركة حماس في غزة على إحباط كل محاولات إنهاء الانقسام يبقي على سلطتها القائمة بفضل القوة العسكرية ويؤكد خيارها بإقامة "نموذج الدولة الإسلامية" الخاص بها في القطاع، والذي يتميز بفرض سلطة الحزب الواحد ذي الطابع العسكري، وأسلمة للمجتمع تتراوح بين النموذجين الطالباني والأردوغاني!

فبعد مضي نحو خمس سنوات على تفردها بالسيطرة على قطاع غزة، تعطلت خلالها معظم مظاهر العمل السياسي التعددي وكذلك أي حضور للسلطة المدنية، يمكن القول إن سلطة حماس في غزة قد انتقلت من حالة السيطرة بالقوة إلى حالةٍ من تدجين واضحة للمجتمع بمستوييه السياسي والمدني.

ذلك أن جوهر السلطة الحمساوية يرتكز إلى واجهة حكومية وإلى قوة أمنية، تتكون من قوتي الأمن الداخلي الحكومي وقوة القسام الميدانية، مع تعطيل تام، تقريباً، لسلطتي التشريع والقضاء، فحتى مجموعة المجلس التشريعي التي كانت توظفها سلطة الانقلاب، بعد وقت قليل من انقلابها على السلطة، باتت ليست بحاجة إليها لـ "تشريع" انقلابها وسلطتها الناجمة عنه، فيما أقامت هيكلاً قضائياً على مقاسها وبشكل كاريكاتوري يغلب عليه الآن الطابع العسكري من خلال إصدار الأحكام العرفية، خاصة تلك المتعلقة بأحكام الإعدام التي تواصل إصدارها وتنفيذها من دون تطبيق ليس فقط للمعايير الدولية بالخصوص، ولكن دون أن تأخذ بعين الاعتبار أحكام القانون الفلسطيني نفسه الذي يشترط مصادقة رئيس السلطة على تلك الأحكام!

ومنذ سيطرت حركة حماس على قطاع غزة وهي تحظر، بشكل شبه تام، النشاطات العامة للأحزاب والقوى السياسية، بما في ذلك الفصائل التي تمنع من القيام بأي تحركات ذات طابع جماهيري في الشوارع والأماكن العامة، خاصة تلك النشاطات التي تطالب بالحقوق العامة، أو ذات الطابع الاحتجاجي.

فقد منعت حماس، حتى تحول الأمر مع الوقت إلى تقليد ثابت، فصائل العمل الوطني من الاحتفال بمناسبات انطلاقاتها في الميادين العامة، خاصة ميدان الكتيبة الذي يُمنَع على أي فصيل آخر باستثناء حماس أن يحتفل فيه، خشية إظهار قوة الفصائل الأخرى، وإظهار أن حماس هي التي تمتلك القوة الجماهيرية الأولى في القطاع.

وكل عام، وفي مطلعه بالتحديد، ما زالت حماس تمنع قادة ومناصري حركة (فتح) من الاحتفال بذكرى انطلاقة الحركة السنوية، لذا لجأت حركة فتح في السنوات الأخيرة إلى الاحتفال بشكل رمزي من نمط إيقاد الشموع أو رفع الأعلام الفلسطينية أو أعلام حركة فتح على شرفات المنازل.

وعلى مدار خمس سنوات مضت، لا يُسمح سوى لعناصر حماس فقط الإعلان عن تسيير المظاهرات أو المسيرات، من خلال استخدام مكبرات الصوت، وأي مسيرات أخرى، حتى لو كانت ضد الاحتلال وتجري على أضيق نطاق ممكن، بعد أن قامت حماس بالتصدي باستخدام القوة لفض أي احتجاجات، إن كانت مؤيدة لمواقف أو سياسات السلطة أو للمطالبة بإنهاء الانقسام، كما حدث في محيط الجندي المجهول وساحة الكتيبة في آذار من العام الماضي 2011.

ويطال القمع السياسي الذي تمارسه سلطة حماس في غزة قادة وكوادر فصائل العمال الوطني، من خلال الاستدعاءات المتواصلة، بحجج عديدة، كذلك منع كثير من قيادات هذه الفصائل، خاصة حركة فتح، من الخروج من قطاع غزة إلى الضفة الغربية أو عبر معبر رفح، كذلك ما زالت تمنع مئات الكوادر الفتحاوية من العودة إلى وطنهم.

كذلك طال القمع الحمساوي العمل الإعلامي، فما زالت سلطة حماس تمنع دخول الصحف الفلسطينية الثلاث التي تصدر في رام الله (القدس والأيام والحياة الجديدة) من دخول غزة، وما زالت تغلق عدة إذاعات (الحرية والشباب)، وتمنع مراسلي تلفزيون وإذاعة فلسطين من ممارسة عملهم المهني، وكانت قد أغلقت عشرات المراكز الإعلامية، وقامت بمحاربة الكتاب والصحافيين من خلال إنشاء نقابة صحافيين خاصة بها ومقتصرة على قطاع غزة ومن لون واحد، ورابطة أدباء خاصة بالقطاع، أيضاً، ومن لون واحد كذلك. والأنكى من ذلك أنها مارست منع تداول الكتب، ومنعت عدداً من الروايات الأدبية من التداول- (وليمة لأعشاب البحر) نموذجاً.

افتقار سلطة حماس إلى الأفق الديمقراطي، بتضييق مساحة الحرية للعمل السياسي، على قاعدة التعدد والاختلاف يترافق مع تزمت مجتمعي، بدأ بالسعي إلى الإمساك بكل منافذ العمل الأهلي والمجتمعي، من خلال السيطرة على البلديات (بلدية غزة)، وكذلك السيطرة دون إجراء انتخابات عامة على كل النقابات، آخرها نقابة الصيادلة، ويكاد لا يتبقى الآن مركز ثقافي أو نادٍ رياضي خارج سيطرتها، فإما أن يُغلَق أو تتم السيطرة عليه بالقوة، من خلال طرد الهيئات الإدارية المنتخبة أو إعلانها الولاء لحركة حماس. نستذكر هنا العديد من الجمعيات الأهلية التي طالما قدمت الخدمة العامة للمواطنين، وأُنشئت في ظل الاحتلال لتعزيز صمود الشعب في مواجهته- نموذج أصدقاء المريض.

حركة حماس قامت أيضاً بـ "تطهير المساجد" من الدعاة والأئمة والخطباء والوعاظ الذين لا يدينون بالولاء لها، وخاضت حروباً مع إسلاميين آخرين مثل الجهاد الإسلامي والسلفيين، وسيطرت على لجان الزكاة بالكامل.

تابعت حركة حماس حصارها الداخلي عبر السعي لأسلمة المجتمع ومتابعته بشكل حثيث بإصدار العديد من القرارات، وتشجيع السياسات التي تحقق هذا التوجه، فهي قامت بتأنيث المدارس من خلال حظر المعلمين الذكور من التدريس في مدارس البنات، وفرض الحجاب ومن ثم الجلباب على بنات المدارس، وكذلك فرض الحجاب والجلباب على المحاميات والمعلمات، ومنع تدخين النساء للأرجيلة في الأماكن العامة، بل ومطالبة المواطنين بحمل عقود الزواج إذا ترافق الأزواج في الأماكن العامة، إن كان على شاطئ البحر أو في السيارات الخاصة وما إلى ذلك!

وكانت حركة حماس قد غضت النظر عن قيام المجموعات السلفية بإحراق الأماكن السياحية وتفجير المقاهي ومحلات الإنترنت وصالونات التجميل ومحلات بيع الأغاني والأفلام، والقيام بالاعتداء على بعض المغنين، وملاحقة بعض النساء (السافرات)، وحرق المخيمات الصيفية التي تخرج عن سيطرتها وتديرها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).

باختصار، يمكن القول إن سلطة حماس في غزة قد فرضت حصاراً داخلياً على المواطنين ترافق مع الحصار الخارجي، بهدف فرض سلطتها، وقمع أي بوادر للاحتجاج عليها، ثم إحداث تغيير داخلي جوهري على الحالة الثقافية العامة، تتوافق مع الفكر والعقيدة الحمساويين، حتى يذعن المجتمع ويستسلم أولاً لخيارها بالإبقاء على الانقسام واستمراره، بل وفصل قطاع غزة نهائياً عن الضفة الغربية، حتى يتحول الانقسام إلى حالة قائمة على كل المستويات، المجتمعية والأهلية، بحيث تتعذر العودة عنه أو إسقاطه بفعل هبة شعبية أو ما شابه ذلك!

ولعل أشد أنواع القهر العام الذي تمارسه حماس هو حالة التحلل من القيام بواجبها على صعيد تقديم الخدمة العامة للمواطنين، على أصعدة التعليم والإسكان والصحة، فمنذ تولت حماس السيطرة على غزة لم تقم بأي شيء يذكر على هذا الصعيد، رغم أنها تقوم بجباية أموال طائلة، تقدرها أوساطها هي بنحو أربعين مليون دولار شهرياً، تقوم بتغطية نفقات قوتها الحكومية، ولم يسبق  خلال خمس سنوات أن قامت هذه السلطة ببناء مستشفى أو مدرسة أو تعبيد شارع أو إقامة مرفق عام.

ولولا أن حكومة السلطة تقوم بتحويل رواتب نحو 75 ألف موظف حكومي شهرياً، لجاعت الناس في غزة، ولولا أن السلطة في رام الله تقوم أيضاً بتحويل المعدات والأدوية اللازمة لتشغيل المستشفيات، لانهارت الخدمة الطبية تماماً. ثم إن حماس تحرص بين فينة وأخرى على إحداث أو افتعال أزمات ناجمة عن جشع قياداتها التي أثْرت في ظل الانقسام، هنا الحديث يدور عن نحو 600 مليونير جديد ظهروا خلال هذه الفترة المشؤومة، مثل مشكلة الكهرباء، كما أنها أصرت خلال خمس سنوات على إبقاء مليون ونصف المليون مواطن رهينة الحصار، بإصرارها على عدم تسليم المعابر الخارجية، إن كانت تلك التي تربط الاقتصاد الفلسطيني في غزة بالإسرائيلي وتفرض على إسرائيل القيام بواجباتها كدولة احتلال يجب أن توفر احتياجات الحياة للناس، أو معبر رفح الذي يستخدمه المواطنون للسفر إلى الخارج.

تكاد بالمجمل تنعدم الحريات الخاصة والعامة و السياسية والاجتماعية في قطاع غزة، الخالي من الاحتلال الخارجي، لكنه يعاني من (احتلال) داخلي لا يقل وطأة أو قسوة عن الاحتلال الخارجي المعروف والمجرب.

حتى منظمات حقوق الإنسان لم تسلم من الاعتداء المباشر أو غير المباشر، فقد سبق وفي عهد حماس أن تمت السطو على مقر شبكة المنظمات الأهلية وعلى مؤسسة الضمير، واعتادت سلطة حماس سرقة أو تحطيم أجهزة الكمبيوتر في الجمعيات والمؤسسات المختلفة، وريما يسجل لها التاريخ أنها كانت حركة مشهورة بسرقة أجهزة الكمبيوتر حتى من منازل المواطنين، وتم أكثر من مرة استدعاء مدراء ومسؤولي عدد من المؤسسات العامة في حقل الدفاع عن حقوق المواطنين في وجه الاحتلال الإسرائيلي، فقط لأن تقارير هذه المؤسسات تشير وترصد وتسجل تجاوزات واختراقات سلطة حماس للقانون المدني، وتشير إلى اعتداءاتها المتكررة على حقوق الإنسان الفلسطيني، الذي ظن أنه قد تحرر من ظلم وقهر الاحتلال الإسرائيلي عام 2005، ليكتشف أنه قد وقع ضحية سلطة مستبدة، عطلت العمل بكل مظاهر الحياة المدنية العامة، وأقامت حكماً عرفياً/ عسكرياً مستبداً.

إن إنهاء الانقسام يمكن أن "ينقذ حماس من ثورة داخلية لا ريب فيها طال الزمان أم قصر، لذا فقد أبدت قيادات حماس في الخارج مرونة ورغبة في إنهاء الانقسام، وتقدمت حركة الإخوان المسلمين على طريق المصالحة بإعلان الدوحة، لكن أثرياء الأنفاق وحكام غزة الحمساويين أصحاب مشروع الانقسام ونموذج دولة حماس في غزة سرعان ما عطلوا الاتفاق دليلاً على إصرارهم على السير على هذا الطريق، الذي لن يقطعه عليهم سوى الشعب الفلسطيني نفسه، خاصة ذاك المقيم في غزة بالذات، حيث لا يستغرب أحد، إذا قدمت غزة ربيعاً عربياً خاصاً، عنوانه إعلان التمرد أو الثورة على أول حكم إخواني أو إسلامي في عصر ما بعد الربيع العربي.

 

 






اشترك في قائمتنا البريدية
بريدك الالكتروني:
  اشتراك
  الغاء الاشتراك



© جميع الحقوق محفوظة، مركز الاعلام الفلسطيني 2013