Get Adobe Flash player
أخبار وتقارير | ثقافة | آراء ومقالات | وثائق | روابط |
| اتصل بنا | من نحن |


الرئيسية > أراء ومقالات > Print, Email and Share

لا يعقل إخلاء الساحة الإسرائيلية من التأثير الفلسطيني..!!

نظير مجلي

كان لافتاً للنظر إلى درجة الاستفزاز ما قاله وزير المواصلات الإسرائيلي يسرائيل كاتس للإذاعة العبرية الرسمية "ريشت بيت"، خلال تفسيره للحملة التي ينظمها سوية مع رفاقه في قيادة الليكود لتوسيع الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية. فقد كان يناقش الإسرائيليين العقلاء الذين ينتقدون الحكومة ويحذرونها من مشاريع التهويد والاستيطان التي تخلق واقعاً على الأرض يشكل سلسلة عراقيل كأداء أمام احتمالات إقامة دولة فلسطينية. فقال: "أنا لا أفهم لماذا ندخل نحن اليهود في هذه الحرب الداخلية؟ فلماذا لا نبني في المستوطنات؟ العالم مشغول في قضاياه ولا يمارس الضغوط علينا. العرب مشغولون في ثوراتهم ولا يهددوننا. وحتى الفلسطينيون منشغلون في مسرحية المصالحة التي لا يبدو أن لها نهاية، ويتركون طاولة المفاوضات. فهذا هو الوقت المناسب لنبني ونعمر ونطلق يد المستوطنين الطلائعيين" (الاثنين- 16 نيسان 2012).

فعلاً، يوجد كثير من الحقيقة في توصيف الوزير كاتس، خصوصاً فيما يتعلق بالحالات: العالمية والعربية والفلسطينية. فالحكومة اليمينية في إسرائيل لا تشعر بأن هناك من يعارضها أو يمارس الضغوط عليها من الخارج، ولا يضايقها الضغط الإسرائيلي الداخلي. والصحيح أن الداخل الاسرائيلي لا يمارس الكثير من الضغوط الجادة حتى الآن. فالمعارضة السياسية له كانت نائمة طيلة ثلاث سنوات عمر هذه الحكومة، بفضل القيادة الكسولة الخاملة والمتواطئة بقيادة تسيبي لفني وشلل حزب العمل. والأحزاب العربية في إسرائيل، وهي وطنية جداً، لا تؤثر. وقد اختارت طريقاً كفاحياً صدامياً يفقدها أي تأثير على المجتمع الاسرائيلي أو على السياسة الإسرائيلية. والمعارضة تقتصر على وسائل الإعلام الاسرائيلية، فهذه نشطة للغاية في مهاجمة الحكومة ونقد مباذلها.

وهناك سياسيون عقلاء، قليلو العدد والتأثير، لكنهم موجودون، يرفعون من آن إلى آخر صوت الاحتجاج. وهناك سياسيون حكماء، لكنهم فقدوا المحفز على العمل والمقارعات. ولكن، عندما تخاطب أحدهم وتتحدث معه حول هذه السياسة وتشرح له أخطارها، تجده يهز رأسه موافقاً. ولكن، لا توجد بعد القوة التي تضع قضية الصراع الاسرائيلي الفلسطيني في رأس أجندتها واهتمامها.

 

مجال التأثير ما زال كبيراً

بيد أن مجال التأثير على المجتمع الإسرائيلي ما زال كبيراً. الدليل على ذلك يكمن في الحقيقة الثابتة في نتائج استطلاع الرأي، التي تجرى في كل شهر وتؤكد أن غالبية المواطنين اليهود في إسرائيل تؤيد تسوية دائمة مع الشعب الفلسطيني على أساس مبدأ دولتين لشعبين (ما بين 51% و58%) في حدود 1967 مع تعديلات. المشكلة عندهم أن غالبيتهم العظمى (أكثر من 70%) لا يؤمنون بأن هذا الحل ممكن في الظروف الحالية. والقسم الأكبر منهم ينحي باللائمة في ذلك على الطرف الفلسطيني. بعضهم لا يثق بالقيادة الفلسطينية، رغم المواقف الصريحة الثابتة للرئيس الفلسطيني محمود عباس. وبعضهم يجد حجة في الصراعات الفلسطينية التي تجعل التوقيع على اتفاق سلام غير مضمون رسمياً. وقسم يتساءل عن موقف حماس وغيرها من الفصائل المعارضة.

وإذا أضفنا إلى ذلك الانشغال العالمي في قضايا أخرى، مثل قضية إيران، والانتخابات الأمريكية والأزمة الاقتصادية في الغرب التي عصفت بكل رئيس أوروبي خاض الانتخابات في السنتين الأخيرتين، والانشغال العربي في الثورات العربية وتفاقم الأزمة السورية، يمكننا أن نفهم أن هناك غياباً تاماً للضغوط الدولية على الحكومة الإسرائيلية، ندرك أن المجتمع الاسرائيلي لا يشعر بأنه مطالب بشيء. والحكومة الإسرائيلية لم تعد تشعر بأنها معزولة. بل إن الإدارة الأمريكية تغازلها والرئيس الفرنسي ينافقها (بشكل خاص بعد جريمة طولوز) والصين تطور علاقاتها معها وتركيا تخفف من حدة الأزمة معها. وحتى الإخوان المسلمون في مصر يسايرونها ويبددون مخاوفها إزاء خطر التراجع عن اتفاقيات كامب ديفيد، ويتعهدون لها ليل نهار بالحفاظ عليها وعلى ملاحقها.

في مثل هذه الأوضاع، تتعاظم الحاجة للتأثير على المجتمع الاسرائيلي، أكثر من أي وقت مضى. ويصبح غياب هذا التأثير خللاً فاحشاً يصل إلى حد القصور، إن لم يكن العمى السياسي المطبق.

والسؤال: هل هذا ممكن؟

وجوابنا قاطع: ممكن بالتأكيد.

ولماذا؟ ومن أين نستمد هذا الحزم؟

 

اللقاء مع وفد "شاس"

من التجارب الفلسطينية نفسها. ولنأخذ، مثلاً، في ذلك اللقاء الذي أجراه وفد من تحالف السلام الفلسطيني مع وفد من حزب "شاس" الإسرائيلي في بودابست نهاية الشهر الماضي.

وحزب شاس هذا هو أحد الأحزاب المتوسطة، لكنه مهم في إسرائيل ولعب دور "لسان الميزان" و"بيضة القبان" في كل حكومة تقريباً منذ تأسيسه في سنة 1984. فهو حزب يميني، يمثل اليهود الشرقيين المعبئين بالعداء للعرب، عموماً، وللفلسطينيين، بشكل خاص. زعيمه الحاخام عوفاديا يوسيف معروف بتصريحاته الكارهة والكريهة ضد العرب، وقف ضد إسحاق رابين في فترة اتفاقيات أوسلو، وأسقط حكومة ايهود باراك، لأنه توجه إلى "كامب ديفيد" لمفاوضة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وأبدى الاستعداد لأول مرة منذ احتلال 1967 لإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية. وهو الذي منع تسيبي لفني من تشكيل حكومة قبيل الانتخابات الأخيرة سنة 2009، وساعد بنيامين نتنياهو على تشكيل حكومته الحالية.

وعلى الرغم من كل ذلك، فإن تصريحات أعضاء وفد شاس بعد العودة من اللقاء مع الفلسطينيين كانت بمثابة تطور لافت للنظر، خصوصاً أنهم أكدوا أن ما يقولونه تم بالتنسيق مع عوفاديا يوسيف. فقد قال وزير الأديان في حكومة بنيامين نتنياهو يعقوب مارجي، الذي ترأس الوفد إن "المطلوب الآن هو إجراء مفاوضات جادة ومخلصة مع الفلسطينيين، بعيداً عن وسائل الإعلام وعن عربدة السياسيين". وأضاف: "إذا أرسلنا وفداً للتفاوض وقلنا له بوضوح: لا تعد من دون التوصل إلى اتفاق، فإنني واثق تماماً من أن المفاوضات ستنتهي وفي وقت قصير بيننا وبين الفلسطينيين، وسنعود من هذه المفاوضات ونحن نحمل نص معاهدة سلام مشرف للطرفين".

وقال مارجي إنه ورفاقه في الوفد أوضحوا أن حزب شاس "يسير وفقاً لتعاليم الحاخام عوفاديا يوسيف، الذي عرف بمقولته السلمية الشهيرة بأن "الإنسان أهم من الأرض". والحاخام هو الذي أرسلنا إلى هذا اللقاء ومنحنا بركته إليه. وخضنا خلاله في مختلف القضايا المختلف عليها، فوجدنا أن كل قضية قابلة للتسوية". وسئل: "بما في ذلك قضية القدس؟". فأجاب: "بالتأكيد. فنحن واعون كفاية للتوصل إلى صيغ تتيح للطرفين أن يتعايشا معها، أيضاً في موضوع القدس".

وقال عضو الوفد الفلسطيني حيدر عوض الله: إن اللقاء لم يكن مفاوضات، بل حوار شرحنا فيه مواقفنا كأبناء للشعب الفلسطيني الذي يعاني من الاحتلال والتشرد والاستيطان والتهويد.  وشرحنا خطورة السياسة الإسرائيلية الرسمية، التي تجهض عملية السلام وتظهر أنها بعيدة عن خلق الفرصة لحقن الدماء بين الشعبين. وقلنا إن شعبنا قدم أقصى ما يمكن من تنازلات في سبيل تحقيق السلام، ولكن إسرائيل لا تبادله النوايا الطيبة وتحاول فرض أمر واقع ينسف عملية السلام. ثم أكد أن الحوار كان "مهماً للغاية، حيث إن حزب شاس يمثل شريحة مهمة من المجتمع الاسرائيلي. وهو معروف بمواقف متطرفة، انعسكت أيضاً، في بداية اللقاء، ولكن في نهايته استمعنا إلى تصريحات مشجعة، حيث إن وفد شاس قال إنه يريد أن يؤدي دوراً إيجابياً لتغيير العلاقات بين الطرفين وإحياء المسيرة السلمية. وقال إنه على قناعة بأنه لا يمكن تحقيق السلام إلا إذا وقعته من الطرف الإسرائيلي حكومة يمينية بقيادة الليكود. وأكد أنه مستعد لأن يشكل جسراً بين ممثلي الشعب الفلسطيني وممثلي الأكثرية اليمينية في إسرائيل والتأثير على هذا اليمين باتجاه عملية سلام".  

بالطبع، سيكون من السذاجة الاعتقاد بأن لقاء واحداً للحوار مع حزب شاس سوف يقلبه إلى حزب سلام أو أن نصدق أن هذا الحزب سيبادر فوراً إلى إحداث التأثير على أحزاب وحكومة اليمين. فهذه الحكومة تواصل سياستها العدوانية والتوسعية والاستيطانية والتهويدية، بعد اللقاء كما قبل اللقاء. لكن، ما ليس فيه شك هو أن هذا اللقاء فعل شيئاً. وتكرار اللقاءات والحوارات معه ومع غيره من الأحزاب سيضاعف الفعل والتأثير. وليس اللقاءات فحسب. فهناك وسائل تأثير أخرى، لا تحصى ولا تعد.

لكنها تحتاج إلى خطة ممنهجة، استراتيجية. تحتاج إلى قناعات فلسطينية حقيقية وابتعاد عن العواطف الغريزية وانتهاج طريق شجاع وحكيم. تحتاج إلى هجرة العصبية القبلية في اتخاذ المواقف السياسية والتصرف بذكاء ونفس طويل وعزم وإصرار ومثابرة. تحتاج إلى دراسة معمقة للمجتمع الاسرائيلي وإمكانيات استغلال طبيعته الانفتاحية وإقناع المقتنعين بالسلام على الأقل بأن هذا السلام ممكن وواقعي، أيضاً في هذه الظروف. ففي نهاية المطاف، المواطنون في اسرائيل هم أصحاب القرار. وقد سبق أن أسقطوا حكومة شامير، عندما وقفت عثرة أمام طريق السلام، بل أسقطوا حكومة نتنياهو الأولى (1996 - 1999) للسبب نفسه. وترك هذه الساحة فارغة هو ببساطة أمر غير معقول.






اشترك في قائمتنا البريدية
بريدك الالكتروني:
  اشتراك
  الغاء الاشتراك



© جميع الحقوق محفوظة، مركز الاعلام الفلسطيني 2013